هشام النجار – أردوغان.. أطمع جماعة الإخوان في حكم تركيا | كورد ياو

(كورد ياو-أحوال تركيا) أقنع غولن مستمعيه بأن أردوغان عاجز عن معالجة أزمات تركيا السياسية، بسبب الفساد أو وفق تعبيره لتعلقه بالمطامع الدنيوية، لكن في ظني أن الدافع الأكبر هو أن الأخير علق بجماعة الإخوان.

فقدت جماعة الإخوان مستقبلها في مصر وفي الفضاء السياسي العربي بعد انخراطها في العنف والعمل السري المسلح، وهي في مأزق تاريخي مع أردوغان الذي استقبل مؤخرًا ملك الأردن شريك الرئيس المصري في مهمة تحجيم دور الجماعة وحرمانها من تشكيل مسار السياسة العربية.

تشعر الإخوان بالخطر وتقيس لقاءات أردوغان وإشاراته وهمساته بميزان ذهب، وهي ليس أمامها إلا تأمين نفسها في مواجهة المتغيرات ضدها في الداخل التركي.

صارت الجماعة في وجه العاصفة بعد انقلاب أردوغان على العديد من حلفائه، وبدا للجميع أنه سريع التحول نحو الاتجاه الذي يحقق مصالحه واستمراره في السلطة لكن لا يهم مع من.

يردد قادة جماعة الإخوان “أكلتُ يوم أكلتْ داعش” وهم يفكرون في مصير علاقة داعش مع النظام، لئلا يستخدموا كمرحلة في ألعاب أردوغان السياسية وبعدها يتخلص منهم كما فعل مع العديد من الكيانات والرموز التي ظلت لفترة حليفة معه، كما فعل مع العديد من الإسلاميين الذين تعاونوا معه، حتى رفاقه داخل العدالة والتنمية.

هدف الإخوان الآن في تركيا حتى لا يبدو مصيرهم مرتبطًا بمصير أردوغان أو تحت رحمة تحولاته الحادة هو تحويل عملية الأسلمة التي ينتهجها نظامه إلى عمل لا يمكن النكوص عنه، وتدعيم التحول لسلطنة إسلامية دائمة قابلة لتكون محضنًا لهم يقيهم غوائل ما يتعرضون له من نكبات.

نحن أمام جماعة تطمع في الدولة وليس في العلاقة مع زعيم، وهذا كان حالها دائمًا وفق خبرات التجارب العربية، بمعنى أن مشروع الأسلمة وتوطيد النموذج الديني داخل تركيا هو رهانها وليس أردوغان المتحول.

الوضع الذي تشكل أخيرًا في تركيا يتوافق مع رغبات الإسلام السياسي، كتيار يوظف الازدواجية في علاقة الدولة بالإسلام محققًا أرباحا ليست بالقليلة، في حين لا يفيد على المدى المنظور رأس نظام براغماتي لكونه سيضيق عليه مساحات المناورة مع الجماعات الدينية المتضخمة عندما يحين أوان فض التحالف.

مظاهر الأسلمة في مجالات التعليم والمرأة والتشريع وطبيعة النظام السياسي الفردية وكبت الحريات وإلغاء المعارضة وتجميد العمل الحزبي، حالة لا تستطيع جماعة الإخوان مقاومة بريقها، خاصة أنها في وارد إثبات نجاح نموذجها الذي فشل في مصر، بمعنى أن تركيا بالنسبة للجماعة هي بارقة الأمل المتبقية التي ستنقذها من الموت الأبدي.

إذا كان الحديث عن تنظيم كالإخوان بشغفه الجنوني بالسلطة، وفي حال دولة كبيرة كتركيا بما لها من ثقل في الموازين الإقليمية والدولية، علاوة على رمزيتها المتعلقة بمشروع الجماعة التاريخي لزعامة الخلافة الإسلامية العصرية.

ما فعلته الأنظمة العربية كان عكس ذلك، عندما منحت الدين دورًا محوريًا لكن في حدود القيم المتوافقة مع العلمانية وتحت سقف الدولة المدنية والبنية التقليدية لنظام الحكم دون إحداث انقلاب في منهجيته وهويته.

كان غرض الجرعات الدينية المحسوبة تفويت فرص ادعاء احتكار الإسلام وتوظيفه لمصالح سياسية خاصة بتيار الإسلام السياسي بوجه عام وبالإخوان خاصة.

أضعفت الأسلمة الجزئية في أطر الحكم العلماني حضور تلك التنظيمات في الفضاء العربي وسحبت منها الجزء الكبير من مبررات وجودها، لكن الأمر يختلف تمامًا عندما يحدث التحالف المباشر والواضح بين قمة النظام السياسي والجماعة.

في هذه الحالة يصبح التنظيم داخلًا في بنية النظام وتصبح مرجعيته الفقهية هي الخلفية الشرعية للدولة، وهذا من شأنه إشعار الجماعة بالقوة، وسرعان ما ستروج أن ما يجري من أسلمة للمجامع السلطوية إنما يتم بفضلها هي وأن مشروعها يتحقق على الأرض.

تركيا الأردوغانية تحتضن الخطر الذي حاولت الدول العربية إبعاده عنها، والمفارقة أن أردوغان توهم أنه يحرك الجماعة في سياق مشاريع خارج البلاد في مكان ما في الجوار في سوريا أو العراق أو بعيدًا في ليبيا أو مصر.

الخطورة وهذا درس عربي صميم أن يلتصق النظام بالتنظيم، ساعتها سيسارع التنظيم في اختراق المؤسسات والتوغل في الأجهزة، والفكرة الأولى التي تقفز لأذهان قادته في حالة نادرة كوضع تركيا اليوم تحت هيمنة أردوغان هي ضرورة تطويع النظام واتخاذ كل ما من شأنه تأمين مستقبل الجماعة.

أمامنا شواهد دالة على التغلغل الإخواني فلا يخفى تململ بعض المسؤولين الأتراك من هذا النفوذ المتعاظم لجماعة الإخوان في المجتمع التركي، وقد أبدى أكثر من واحد منهم مخاوفه من تهديد الجماعة للنظام الديمقراطي في تركيا، بعد أن خربته في مصر.

أسلوب توظيف جماعة الإخوان لمنصاتها الإعلامية التي تبث من تركيا بما يخدم مصالحها فقط دون النظر لحسابات الأنظمة، علاوة على حجم ما تورط فيه قادة للجماعة مقيمين بتركيا من تخطيط وإدارة عمليات إرهابية واغتيالات وهي موثقة باعترافات من نفذوها من المصريين، تعكس جميعها صورة سلبية لمستوى نفوذها داخل بنية الأجهزة التركية الأكثر حساسية.

خلية التجسس التي ضبطتها المخابرات المصرية تنطوي على أبعاد خطيرة غير مرئية، فالظاهر من الواقعة هو تعاون بين بعض أعضاء جماعة الإخوان من المصريين للإضرار بالداخل المصري لأهداف معروفة، لكن الجانب غير المرئي هو وصول الجماعة لهذا المستوى من العلاقات مع أجهزة سيادية تركية، وفي حال كهذا يحضر العقل الإخواني الحريص على اختراق تلك المؤسسات لتأمين جماعته.

الإخوان تأقلمت في الحالة العربية مع سلوك مضاد للأنظمة الحاكمة وهو محاولة اختراق الأجهزة السيادية وإحداث انشقاقات بها لصالح التنظيم عبر رموز مؤثرة سواء مؤيدة أو عاملة فعليًا في التنظيم.

فما الظن والحال هكذا في تركيا مع رغبة النظام في الإحلال والتبديل والسعي لزرع جماعة الإخوان لملأ فراغ خصوم سياسيين وعسكريين وإسلاميين ومن كافة التيارات والانتماءات؟

لماذا ظلت الأنظمة العربية قادرة في مختلف المراحل على إنهاء حضور الجماعة وضرب بنيتها التنظيمية حال وصولها لمحطة الشعور بالقوة وتوهم إمكانية وضع الدولة تحت عباءتها؟

لأن هذه الأنظمة حتى في أشد مراحلها انكشافًا كانت هي من تمتلك مبادرة القدرة على اختراق الجماعات وإحداث انشقاقات كفيلة بتفجيرها من الداخل بالصراعات، وصولًا لحالة الشرذمة والانقسام التي تسمح بالإجهاز عليها.

قد تتمكن الجماعة من اغتيال رأس النظام أو الإسهام في العملية، وحدث هذا بالفعل، لكنها بحال من الأحوال لا تتمكن من الهيمنة على مؤسسات الدولة التي ظلت عصية على الاختراق الإخواني.

وفق ما تنتهي عادة الأدوار في مجالات الأعمال القذرة سيجد أردوغان عاجلًا أو أجلا ضرورة التخلص من أعباء الإخوان كما تخلص من داعش، وسيلجأ لتصفير الإسلام السياسي كسبيل أوحد لتصفير مشاكل نظامه.

أردوغان التقى بالملك عبدالله وهو لدى الإخوان صنو السيسي، ناهيك عن تآلفه مع روسيا وتحالفه مع تل أبيب وهما نظامان يناهضان بعنف تيار الإسلام السياسي الذي دعمه طوال السنوات الست الماضية.

يظهر هنا الفارق بين نظام وآخر في أسلوب التعاطي مع الإخوان؛ فالأنظمة العربية حالت دون ابتلاع الجماعة للدولة وتمكنت من تحجيم الجماعة وتهميشها لأن مؤسساتها ظلت مستقلة وغير مخترقة.

اختراق المؤسسات والتغلغل داخل الأجهزة السيادية كما هو ظاهر في الحالة التركية يمنح الجماعة تأمينًا مضاعفًا وقت وقوع الخلاف مع رأس النظام، ولن يصبح التصرف مجرد انتقام ثأري بخدش أحد رموزه بل سيتعداه للمستوى الذي كانت تحلم به الجماعة في النسخة العربية.

أردوغان أهدى الإخوان أمة مستقطبة ومنقسمة وفضاء اجتماعي مفرغ يجري شحنه بالأيديولوجيا المتطرفة، علاوة على ما كسره من هيبة للمؤسسة العسكرية، ثم هذا النموذج الدولتي المؤدلج.

كانت فرصة جماعة الإخوان الوحيدة في التجربة العربية حين مجيء لحظة الحقيقة بين الجماعة والنظام هي رقبة رئيس الدولة مهما بلغت أفضاله على الجماعة ويعقبها انهيارها.

أما في الوضع التركي الحالي فالتنظيم في وضعية تمنحه الإفلات من هذا المصير؛ لأنه صار متوغلًا ومتمكنًا داخل مؤسسات الدولة بشكل يصعب معه التخلص منه.

قالب وردپرس

0

‎أضف رد:

‎بريدك الإلكتروني لن يظهر لأحد

Rankie WordPress Plugin