مؤيد رشيد- كوردستان في عيون عربية | كورد ياو

كورد ياو- رووداو.. كانت ولا تزال “اللغة” من أهم الوسائل وأخطرها في إيصال صوت أو رأي أو قضية ما إلى الرأي العام والعالمي، فلم يعد كافياً الارتكان والتعويل على الوسائل التقليدية من خلال المحافل الدولية لشرح قضية ما، فهذا لم يعد كافياً وهو ليس كذلك، ومن هذا المنطلق لا بد من كسب التعاطف الدولي والرأي العام من خلال شرح الأبعاد الحقيقية لقضايا الشعوب التي حاربت ولاتزال تقاتل من أجل تحقيق غاياتها المشروعة وبمختلف لغاتهم التي يفهموها ويتكلموها.

الأعلام والصحافة المرئية والمسموعة باتت تشكل حيزاً كبيراً فيما يسمى بحروب الجيل الرابع، لأنها ذات أثر وتأثير كبير وخطير في تشكيل الوعي وحشد الرأي العام وتوجيهه، وهي كانت ولاتزال، بل أصبحت أكثر قدرة على الوصول إلى عقول ومشاعر وقلوب الناس في كل مكان لكسب تعاطفهم والتأثر فكرياً وعاطفياً في وعيهم ومداركهم وتشكيلها.

هناك مدارس عديدة في الإعلام ومنها الإعلام الشعبوي، وهو نهج جيوسياسي تنتهجه الأنظمة التي تحيط بإقليم كوردستان، هدفه تأليب مشاعر الناس وبغض النظر عما يطرحه من حقائق أو أكاذيب، وهو إعلام ذو أهداف أفقدته دوره التنويري والتوجيهي الإرشادي لصالح مآربها، من خلال الفوضى التي يشيعها في خلط الحقائق، وابتسارٍ فَجْ للمعلومة واقتطاعها من سياقها ومفهومها، أو من خلال التركيز على حالات معينة بذاتها خارج سياقاتها التاريخية والضرورات التي دعت إليها، بغرض إشاعة حالة من الإحباط لدى الجمهور المتلقي، وهي تعتبر من أخطر أساليب افتعال الأزمات وتصديرها.

بات الإعلام يساهم بشكل فعال في تكوين الوعي والخلفية الثقافية والسياسية لدى صاحب القرار، فالكثير من الحروب أصبحت تبدأ من على المنابر والفضائيات، وربما تسبق وتمهد لما سيحدث على أرض الواقع، وبات يشكل محددات لمسار وطبيعة العلاقات بين البلدان ويهيء لها الأرضية الملائمة مستبقاً بذلك الوسائل الدبلوماسية وقنواتها، وهو سلاح ذو حدين، وحسب طبيعة أهدافه، يمكن أن يكون وسيلة للفوضى والفتن، وكما هو حاصل اليوم، ويمكن أن يكون وسيلة فعالة في نزع فتيل الأزمات والتي تثار دوماً خدمة لأجندات موجهة لأغراض تخدم مصالح شخصية أو جهوية والتي تبتعد عن المصلحة القومية والوطنية.

هذه رسالة موجهة لكل القيادات السياسية والإعلامية في إقليم كوردستان العراق:

إن التعاطف الإقليمي والدولي من خلال التأثير على الرأي الجماهيري، يحتاج إلى الكثير من الخبرات والجهود لأجل تحقيقه والوصول إلى نتائج تخدم قضية ما، العالم العربي اليوم هو بعيد عن القضية الكوردية وغير ملم بأبعادها الحقيقية، إلا من خلال ما يوجد في الكتب والصحف والمجلات، ونحن نعلم اليوم أن هناك أزمة كبيرة تعاني منها الثقافة والمثقف العربي، وواحدة من أسبابها هو تراجع الرغبة في القراءة ومعدلاتها بشكل خطير، وهو ما أدى وبشكل متداخل إلى تراجع النشر بشكل مخيف.

الشعب الكوردي كان ولايزال وعبر تاريخ طويل تربطه علاقات جوار طيبة وقوية بمحيطه العربي، وهو متعاطف بشكل كبير مع القضية الكوردية في أبعادها الإنسانية، ولكنه لا يعلم الكثير عنها، وهو خطأ تاريخي لم تنتبه إليه القيادات الكوردية على طول امتداد تاريخها النضالي، وهذا ولد فراغاً كبيراً أُهمل لعقود طويلة مضت، ولا بد من ملأ هذا الفراغ والاهتمام به بشكل فاعل وجدي.

لقد أدركت الكثير من الدول من حولنا أهمية هذا الجانب المؤثر والخطير، فعمدت ومنذ وقت مبكر إلى إنشاء قنوات فضائية ناطقة باللغة العربية للتأثير وكسب الرأي والتعاطف لدى الملايين من العرب، واتخذت الإعلام كوسيلة مكملة لأهدافها وعلى اختلاف توجهاتها، نرى اليوم من حولنا دول كثيرة أنشأت وافتتحت قنوات فضائية ناطقة باللغة العربية كإيران وتركيا والكثير من الدول الأوروبية أيضاً، مثل فرنسا وبريطانيا وأمريكا وألمانيا، وكذلك الصين وحتى إسرائيل، وكل تلك الدول استوعبت مبكراً خطورة وأهمية هذه الوسيلة الخطيرة والمؤثرة، وعملت على تكريس بعض قنواتها المهمة كوسيلة للتواصل باللغة العربية لتخاطبنا من خلالها، كلها هدفها التأثير في الرأي والمزاج العالمي والعربي والذي يخدم توجهاتها ويوضح سياساتها.

رسالتي اليوم أوجهها إليكم أيها السادة المسؤولون وعلى كل المستويات في أقليم كوردستان، لابد من إيلاء هذا الجانب اهتماماً كبيراً من خلال فتح وإنشاء قنوات تلفزيونية ناطقة باللغة العربية، فالقضية الكوردية بحاجة إلى الرأي والتعاطف العربي من شمال أفريقيا وحتى دول الخليج العربي، وأنا أعلم ومن خلال متابعتي أن قناة “رووداو” تعتبر من القنوات الكبيرة والمهمة في إمكاناتها الفنية والمادية والمعنوية، وهي ستكون أكبر وأكثر تأثيراً، لو كان لها رديف يقدم رسالتها الإعلامية والتحريرية باللغة العربية، وربما الإنكليزية أيضاً لتخاطب شرائح أوسع وأعم، وهذا بالقطع سيكون له بالغ الأثر على المستوى القريب وهو ما مطلوب وبشكل مُلح في الوقت الحاضر.

إن الحاجة مُلحة اليوم لأن تكون رسالة شعب كوردستان موجهة لكي يفهما الأشقاء العرب من المحيط إلى الخليج “وبلغتهم”، لكي يكونوا حاضرين مع تطلعات الكورد، ومدركين بشكل حقيقي لأبعاد قضيتهم ومراحل تطورها عبر عقود مضت، لا بدّ من كسب التعاطف والتفاعل العربي وبشكل إيجابي، لكي يفهموا الأبعاد الحقيقية لمطالب الكورد، ولكي يعلموا جيداً أنهم أصحاب حق وليسوا طلاب حرب وشقاق وفرقة وتقسيم، ورسالتهم هي السلام وحق تقرير المصير، والعيش المشترك من خلال الحوار وحسن الجوار، ولا بدَّ من إشراكهم في هذا الحوار ولمزيد من الفهم للحقائق على الأرض، وكل ذلك من خلال خطاب موجه عبر قنوات ولغة يفهمونها، كما ولا بدَّ من خلق مشتركات اجتماعية وثقافية من خلال برامج هادفة لتبين للعالم العربي ثقافة وتراث وتاريخ وفنون وجغرافية الشعب الكوردي وطبيعة نسيجه الاجتماعي والديني المتنوع، والذي يعيش بسلام منذ قرون وبلغتهم التي يتكلمونها ويفهموها، فالمشتركات بين الشعب العربي والكوردي هي أكبر وأكثر من أن تعد وتحصى وعبر تاريخ مشترك.

لم يعد كافياً ولا مقبولاً الاكتفاء بأن يكون الخطاب الإعلامي موجهاً للشعب الكوردي فقط وبلغته التي يفهمها، وكأن الكورد منعزلون يعيشون في جزر مقفلة ومعزولة، إننا بهذا نتخلى وبإرادتنا عن سلاح أكبر خطورة وأهمية ونلقي به بعيداً عن أيدينا ومن دون مقابل، لنسمح ونعطي الفرصة للآخرين أن يستخدموه ضدنا وكما هو حاصل اليوم، لا بدَّ من مخاطبة الشعوب العربية بلغتهم التي يفهموها، ولا بدَّ لهذا الفهم أن يتطور ويواكب مفاتيح العصر الحديث ويواكب المتغيرات المتسارعة من حولنا، والتي تتقاذفها المصالح والأقطاب، فالصراعات من حولنا تزداد قوة وشراسة وفجوراً، ولا بدَّ من استخدام كافة الوسائل المتاحة ليصل الصوت الكوردي إلى كل العالم العربي لكسب تعاطفهم من خلال التحليل والفهم والتوضيح الصحيح، لا بدَّ أن يرى الإخوة العرب القضية الكوردية بمنظور وعيون عربية، وهذا هو الدور القادم وبمسؤولية وطنية على كافة القيادات الكوردية دون استثناء، فالاختلاف بات ترفاً لا يملكه أي طرف كان، ولم يعد هناك مزيد من الوقت ليضيع لأجل الخلافات، عسى أن يسير المركب إلى بر الأمان وسط إقليم وعالم مضطرب يمور من حولنا.

قالب وردپرس

0

‎أضف رد:

‎بريدك الإلكتروني لن يظهر لأحد

Rankie WordPress Plugin